الدولة العباسية : المطيع لله

الشيخ عزالدين الكرجيه © البحوث والدراسات الإسلامية


ترجمته: 
 
هو الفضل المطيع للَّه بن المقتدر بن المعتضد فهو ابن عم المستكفي بويع بالخلافة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة334(29 يناير سنة946) ولم يزل خليفة إلى أن خلع في منتصف ذي القعدة سنة  سنة363 فكانت مدته29 سنة وخمسة أشهر غير أيام ولم يكن له من الأمر شيء. 
 
 
النفوذ في حياته للملوك من آل بويه:
 
كانت النفوذ في حياته للملوك من آل بويه وهم:

أولاً:- معز الدولة:

وهو أحمد بن بويه فاتح العراق وكان أصغر إخوته وكان سلطان معز الدولة بالعراق بداية خرابه بعد أن كان جنة الدنيا فإنه لما استقرت قدمه فيه شغب الجند عليه وأسمعوه المكروه فضمن لهم أرزاقهم في مدة ذكرها لهم فاضطر إلى ضبط الناس وأخذ الأموال من غير وجوهها وأقطع قواده وأصحابه بالقرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك فبطل لذلك أكثر الدواوين وزالت أيدي العمال وكانت البلاد قد خربت من الاختلاف وفي الغلاء والنهب فأخذ القواد القرى وزادت عمارتها معهم وتوفر دخلها بسبب الجاه فلم يمكن معز الدولة العود عليهم بذلك وأما الاتباع فإن الذي أخذوه زاد خراباً فردوه وطلبوا العوض عنه فعوضوا وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها فهلكت وبطل الكثير منها.

وفي سنة352 أمر معز الدولة عاشر المحرم أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء وأن يظهروا النياحة ويلبسوا قباباً عمولها بالمسوح وأن يخرج النساء منشورات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن يدرن في البلد بالنوائح ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما ففعل الناس ذلك ولم يكن للسنية قدرة على المنع لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم.

وفي ثامن عشر ذي الحجة أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد وأشعلت النيران بمجلس الشرطة وأظهر الفرح وفتحت الأسواق بالليل كما يفعل ليالي الأعياد فعل ذلك احتفالاً بعيد الغدير يعني غدير خم وهو الموضع الذي يروى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال فيه عن علي: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وضربت الدبادب والبوقات وكان يوماً مشهوداً.

وبهذا الانقسام صارت بغداد وبلاد فارس والري ميداناً للاضطرابات المتكررة بين العامة والسلطان ضلعه مع أحد الفريقين والخليفة ضلعه مع الفريق الآخر.

ومع ما أدت إليه سياسة معز الدولة من هذا الفساد كانت هناك أمور أخرى تشغل باله في شمالي بلاده وجنوبيها أما في الشمال فناصر الدولة بن حمدان بالموصل وكان الرجلان يتنازعان السلطان وكل يريد الإغارة على ما بيد الآخر.

ثانياً:- عز الدولة بختيار:

وهو ابن معز الدولة أحمد بن بويه ولي العراق بعد وفاة أبيه واستمر في سلطانه إلى أن خلعه ابن عمه عضد الدولة سنة367 فكانت مدته11 سنة قضى منها سبع سنين في خلافة الفضل المطيع وكانت البلاد في سلطانه أسوأ حالاً منها في سلطان أبيه فإنه اشتغل باللهو واللعب وعشرة النساء والمغنين وشرع في إيحاش كاتبي أبيه أبي الفضل العباس بن الحسين وأبي الفرج محمد بن العباس مع أن أباه أوصاه بتقريرهما لكفايتهما وأمانتهما وأوحش سبكتكين أكبر القواد فلم يحضر داره ونفى كبار الديلم شرها إلى اقطاعاتهم وأموالهم وأموال المتصلين بهم فاتفق أصاغرهم عليه وطلبوا الزيادات فاضطر إلى مرضاتهم واقتدى بهم الأتراك فعملوا مثل ذلك ولم يتم له على سبكتكين ما أراد من اغتياله لاحتياطه واتفاق الأتراك معه وخرج الديلم إلى الصحراء وطلبوا بختيار بإعادة من سقط منهم فاحتاج أن يجيبهم إلى ما طلبوا وفعل الأتراك أيضاً مثل فعلهم وفي أول عهده قبض أولاد ناصر الدولة بن حمدان ملك الموصل على أبيهم واستقر في الأمر منهم ابنه أبو تغلب وضمن البلاد من عز الدولة بألف ألف ومائتي ألف درهم كل سنة وكذلك مات سيف الدولة علي بن عبد اللَّه ابن حمدان صاحب حلب وقام مقامه ابنه أبو المعالي شريف. 
 
ومات كافور الأخشيدي صاحب مصر سنة 356 وبموته اضطرب أمرها وتهيأت الفرصة للفاطميين. 
 
ومات وشمكير بن زيار وهو يحارب ركن الدولة على بلاد الري يريد استردادها منه وقام بأمر ملكه بعده ابنه بيستون بن وشمكير سنة357 ومات أيضاً نقفور الذي ملك الروم وهدد الثغور الشامية والجزرية وأذاقها الوبال.
 
 
حال الثغور الإسلامية في عهد المطيع:
 
كانت الثغور الإسلامية لذلك العهد في حوزة سيف الدولة علي بن حمدان الذي كان متغلباً على حلب والعواصم وديار بكر فكان هو الذي يقوم بحمايتها ودفع العدو عنها. 
 
وكان قد ولى هذه الثغور مولاه نصراً فكانا يتناوبان الغزو ولكن لم تكن بهما الكفاية لمقاومة عدو كانت الخلافة الكبرى تحتد له وتهتم أعظم الاهتمام بأمره.

وفي سنة337 سار سيف الدولة بنفسه إلى بلاد الروم فلقوه فاقتتلوا فكانت عليه وأخذ الروم مرعش وأوقعوا بأهل طرسوس. 
 
وفي السنة التي تليها دخل غازياً فكان له النصر أولاً ولكنه توغل في البلاد فلما أراد العودة أخذ عليه الروم المضايق فهلك من كان معه من الجند أسراً الغنائم والسبي وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم ونجا سيف الدولة في عدد يسير.

وفي سنة341 ملك الروم مدينة سروج وسبوا أهلها وغنموا أموالهم وخربوا المساجد.

وفي سنة343 غزا سيف الدولة البلاد الرومية وكان له بها نصر عظيم وقتل في تلك الواقعة قسطنطين بن الدمستق وقد عظم مقتله على أبيه فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار وغيرهم وقصد الثغور فسار إليه سيف الدولة فالتقوا عند الحدث في شعبان فاشتد القتال وصبر الفريقان وكانت العاقبة للمسلمين فانهزم الروم وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم وأسر صهر الدمستق وابن بنته وكثير من بطارقته والدمستق عند الروم الرئيس الأكبر للجيش والبطارقة قواده.

وفي سنة345 سار سيف الدولة إلى بلاد الروم في جيوشه حتى وصل إلى خرشنة وفتح عدة حصون ثم رجع إلى أذنة فأقام بها حتى جاءه رئيس طرسوس فخلع عليه وأعطاه شيئاً كثيراً ثم عاد إلى حلب فلما سمع الروم بما فعل جمعوا جموعهم وساروا إلى ميافارقين بديار ربيعة فأحرقوا سوادها ونهبوه وسبوا أهله ونهبوا أموالهم وعادوا ولم يكتفوا بذلك بل ساروا في البحر إلى طرسوس فأوقعوها بأهلها وقتلوا منهم1800 رجل وأحرقوا القرى التي حولها. ثم غزوها مرة ثانية سنة347 وغزوا الرها ففعلوا بها الأفاعيل وعادوا سالمين لم يكلم أحد منهم كلما.

وفي سنة345 سار سيف الدولة إلى بلاد الروم في جمع عظيم فأثر فيهاآثاراً شديدة وفتح عدة حصون وبلغ إلى خرشنة ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق فلما أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك فلا تقدر على العود منه والرأي أن ترجع معنا فلم يقبل منهم وكان معجباً برأيه يحب أن يستبد ولا يشاور أحداً لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره وعاد من الدرب الذي دخل منه فظهر الروم عليه واستردوا ما كان معه من الغنائم وأخذوا أثقاله ووضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلاً وأسراً وتخلص هو في300 رجل بعد جهد وهذا من سوء رأي المستبدين.

وفي سنة350 سار قفل عظيم من أنطاكية إلى طرسوس ومعهم صاحب أنطاكية فخرج عليهم كمين للروم فأخذ من كان فيه من المسلمين وقتل كثيراً منهم وأفلت صاحب أنطاكية وبه جراحات.

وفي سنة351 غزا الدمستق عين زربة وهي من أحصن مدن الثغور فاستولى عليها وقتل أهلها ولم يرحم شيخاً ولا صبياً وأفلت قليل منهم هربوا على وجوههم فماتوا في الطرقات وفتح حول عين زربة54 حصناً للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان.

وفي هذه السنة استولى ملك الروم على مدينة حلب حاضرة ملك سيف الدولة فخرج عنها سيف الدولة منهزماً بعد أن قتل أكثر أهل بيته وظفر الدمستق بأموال سيف الدولة وكنوزه وأسلحته وخرب داره التي كانت بظاهر حلب وسبي من حلب وحدها بضعة عشر ألف صبي وصبية وصبية وقتل أكثر من ذلك ولما لم يبق مع الروم ما يحملون عليه غنائمهم أمر الدمستق بإحراق الباقي وأحرق المساجد وأقام بحلب تسعة أيام أراد الانصراف عنها فانصرف عازماً على العودة. وظهر بذلك غلبة الروم على المسلمين إلا أن هؤلاء كانوا يغيرون أحياناً بقيادة سيف الدولة أو أحد غلمانه ولكنهم لا يؤثرون عظيم أثر.

وفي سنة353 حصر الدمستق مدينة المصيصة ولكن أهلها أحسنوا الدفاع عنها فأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنة وطرسوس لمساعدتهما أهل المصيصة.

وفي سنة354 ألح نقفور على المصيصة بالحرب حتى فتحها عنوة ووضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم رفع السيف عنها ونقل كل من بها إلى بلاد الروم وكانوا نحواً من مائتي ألف إنسان ثم سار إلى طرسوس فحصرها فأذعن أهلها بالطاعة وطلبوا الأمان فأجابهم إليه وفتحوا البلد فلقيهم بالجميل وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون ويتركوا الباقي ففعلوا ذلك وساروا براً وبحراً وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا أنطاكية وجعل الملك المسجد الجامع اصطبلاً لدوابه وأحرق المنبر.

وفي سنة358 دخل ملك الروم الشام فلم يمنعه أحد فسار في البلاد إلى طرابلس وأحرق بلدها وحصر قلعة عرقة فملكها ونهبها وسبى من فيها ثم قصد حمص وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها فأحرقها ملك الروم ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها نهباً وتخريباً وملك ثمامية عشر منبراً فأما القرى فكثير لا يحصى وأقام في بلاد الشام شهرين يقصد أي موضع شاء ويخرب ما شاء ولا يمنعه أحد.

وكانت هذه الحوادث الجلية سبباً لازدياد الهياج ببلاد خراسان وتنادى الناس بالنفير العام لحماية الثغور الإسلامية فتطوع منهم عشرون ألفاً عليهم قائد منهم وكان فيهم أبو بكر محمد إسماعيل بن القفال الشاشي أحد أئمة الشافعة بما وراء النهر. 
 
ومما يحزن أن هذا الجيش المتطوع اضطر إلى المرور ببلاد الجبل التي في حوزة ركن الدولة وهو ديلمي يكرهه أهل خراسان ويعتقدون أن الديلم هم سبب كل هذه البلايا فحصلت فتن بين المتطوعين والديلم وكانت نتيجتها أن حاربهم ركن الدولة وشتت شملهم.

وفي سنة359 ملك الروم مدينة أنطاكية وهي حاضرة الثغور وأضخمها وأخذوا منها سبياً يزيد على عشرين ألفاً كلهم شباب صبيان وصبايا وأخرجوا المشايخ والعجائز والأطفال من البلد ليذهبوا حيث يشاؤون. ولما تم لهم ملك أنطاكية غزوا حلب وبها قرعويه السيفي غلام سيف الدولة وكان أبو المعالي شريف بن سيف الدولة يحاربه فلما سمع بخبر الروم فارق حلب وقصد البرية ليبعد عن الروم أما هؤلاء فجداؤوا وحصروا البلد فتحصن قرعوية بقلعتها واستولى الروم على البلد ثم صالحهم قرعوية على مال يؤديه لهم وأعطاهم رهائن على ذلك.

وفي سنة361 أغار ملك الروم على الرها ونواحيها وساروا في الجزيرة حتى بلغوا نصيبين فغنموا وحرقوا وخربوا البلاد وفعلوا مثل ذلك بديار بكر ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة ولا سعي في دفعه ولكنه حمل إليه مالاً كفه به عن نفسه فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنصرين وقاموا في الجوامع والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والقتل والأسر والسبي فاستعظم ذلك الناس وخوفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع الروم أنه لا مانع منهم فاجتمع معهم أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة وأرادوا الهجوم عليه فمنعوا من ذلك وغلقت الأبواب وكان بختيار حينئذ يتصيد بنواحي الكوفة فخرج إليه وجوه أهل بغداد مستغيثين منكرين عليه اشتغاله بالصيد وقتال عمران بن شاهين صاحب البطيحة وهو مسلم وترك جهاد الروم ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها فوعدهم التجهز للغزو وأرسل الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهز وأن يستنفر العامة ففعل سبكتكين ذلك فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان صاحب الموصل يأمره بإعداد الميرة والعلوفات ويعرفه عزمه على الغزو فأجابه بإظهار السرور وإعداد ما طلب منه ثم أنفذ بختيار إلى المطيع للَّه يطلب منه مالاً فقال المطيع إن الغزو والنفقة عليه وعلى غيره من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتجبي إليَّ الأمور وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك وإنما يلزم من البلاد في يده وليس لي إلا الخطبة فإن شئتم أن اعتزل فعلت وترددت الرسائل بينهما حتى وصل الحال إلى تهديد الخليفة فبذل المطيع400 ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وأنقاض داره وغير ذلك وشاع بين الناس من أهل العراق وخراسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالحه وبطل حديث الغزو.

وفي سنة362 كانت واقعة بين الدمستق وبين هبة اللَّه بن ناصر الدولة بن حمدان وكان الروم يريدون الاستيلاء على آمد فاستعد له أبو تغلب وأرسل أخاه هبة اللَّه فواقع الدمستق في مضيق لا تجول فيه الخيل والروم على غير أهبة فانهزموا وأسر الدمستق ولم يزل محبوساً إلى أن مرض سنة 363 فبالغ أبو تغلب في علاجه وجمع الأطباء له فلم ينفعه ذلك ومات.

هذه كانت الحال في خلافة المطيع استرد الروم فيها جميع الثغور الإسلامية الكبرى وصارت لهم الهيبة في قلوب المسلمين من أهل الجزيرة والشام وبنو بويه وبنو حمدان يغزو بعضهم بعضاً وهم عما نابهم من عدوهم مشتغلون.

ومما حصل في عهد المطيع من الحوادث انتقال خلفاء الفاطميين إلى مصر بعد استيلاء جوهر الصقلي عليها وذلك سنة361 في عهد الخليفة المعز لدين اللَّه معد الفاطمي.
 
 
خلع المطيع:
 
 لم يكن للمطيع عمل ولا تاريخ يذكر وقد فلج فأشار عليه سبكتكين مقدم الأتراك أن يعتزل فلم يجد من الامتثال بداً فخلع نفسه في منتصف ذي القعدة سنة363 .