الدولة العثمانية : السلطان محمود الثاني

الشيخ عزالدين الكرجيه © البحوث والدراسات الإسلامية


السلطان محمود الثاني ابن السلطان عبد الحميد 1223 - 1255 هـ
 
لما بويع السلطان محمود بالخلافة عين في الحال مصطفى باشا البيرقدار لمسند الوزارة وعرب زاده عارف أفندي للمشيخة الإسلامية ولما رأى ديوان الشورى أن بقاء السلطان مصطفى في قيد الحياة يكون سبباً للفتن والقلاقل التي أودت بالدولة إلى دركات الضعف أقروا على قتله فقتلوه خنقاً وكان ذلك على غير إرادة السلطان محمود ثم إن الصدر بحث عن جميع الأشخاص الذين لهم يد في قتل السلطان سليم وأعدمهم عن آخرهم ونفى شيخ الإسلام السابق عطاء الله أفندي ومن على شاكلته من قضاة العساكر.
 
ثم التفت إلى معانديه ونكل بهم فخلا له الجوّ وقبض على زمام السلطة وشكل الوزارة من رجال اشتهروا بالإخلاص والميل له ثم وجه همته لاستئصال المفاسد التي فشت بين طائفة اليكجرية وهو عمل من أصعب الأعمال وأشدها خطر لأنه كان السبب في فشل كثير من الوزراء قبله ولما عزم على ذلك عقد مجلساً حافلاً دعا إليه جميع الباشاوات والأعيان ولما كمل عددهم عرض عليهم ضرورة إصلاح فرق اليكجرية بشرط عدم ملاشاتها لأنهم صاروا إلى حالة سيئة من الاختلال والجهل بفنون الحرب.
 
وعرض لذلك عدة طرق من شأنها أن تعيد لهذا الجيش قوته السابقة ومهابته القديمة مستنداً في ذلك على ضرورة إنشاء جيش منظم يعادل جيش الأوروبا وبين ثم قال لم يعد عند أحد من التعظيم والتجلة لجيش اليكجرية المجيد قدر ما عندي له من ذلك وأنثى أفتخر بتبعيتي لهذا الجيش الذي إذا لم تلحقه عوامل التطرف المضرة ولم يغير النظامات التي سنها له حاجي بكتاش لصار لايقهر الآن كما كان في السابق وصارت الوظائف بدل أن تعطى حسب الاستحقاق والشجاعة صارت تباع وتشرى وأصبحت الثكنات مأوى للذين لامأوى ولا صناعة لهم أو للأنذال يفرون من الشغل.
 
وقد ساد الاختلال وعمت القبائح المخجلة جميع فرقهم ونسوا التمرينات التي حتمتها عليهم قوانين وأوامر السلطان سليمان وأن اليكجرية المستعملين في الحفظ والحراسة صاروا يبتذون أموال الرعية ونبذوا أمر الاشتغال بالمحافظة على الأمن ظهرياً وليست نتيجة ذلك إلا الجهل بالفنون العسكرية وعدم الانتظام حتى عدمت منفعة جيش كان مدة قرون الفخر للدولة والعز للملة بحيث كانت الدنيا تعد منه خوفاً.
 
وصار أعاظم العلماء والقضاة يدفعون أجور مخدوميهم من خزينة اليكجرية وكثيراً ما ترى عدّة جوامك ونفقات سرية تعطية لشخص واحدة لم تسبق له خدمة بين الجنود أصلاً أو لم يحمل السلاح للمدافعة عن الدين والدولة مطلقاً وقد أخذ ضباط اليكجرية يتعاملون معاملة مخجلة بيعاً وشراء في أوراق مرتبات الجنود بمساعدة بعض المرابين من اليهود بحيث أنهم يحرمون في الغالب بما يأخذونه من الربا لفاحش الجندي الغيور المحافظ على واجباته من المرتبات التي منحتها له الحكومة مكافأة لاتعابه وتأميناً لمعيشته وإن مولانا السلطان الذي يصرف همته ليعيد لهذه الدولة مجدها السابق وسطوتها القديمة يشعر أنه من المهم العودة للنظامات الحربية القديمة التي أعلت شأناً الدولة وقد كلفني بأن أبلغكم نواياه.
 
ثم عرض الوزير على الهيئة إجراء الأمور الآتية وهي :
 
أولا:ً إبادة عادة بيع الوظائف.
 
ثانياً : تكليف جميع اليكجرية الغير المتزوّجين بسكنى الثكنات.
 
ثالثاً : أن لا تدفع جامكية إلا لليكجرية الذين في الثكنات المؤدين للخدمة بالفعل.
 
رابعاً : أن يمنع بيع الجامكية مطلقاً إلا في أحوال خصوصية وإن من خالف ذلك يعاقب عقاباً شديداً.
 
خامساً : أن يضبط جدول المخصصات العمومي التي تدفع من خزينة اليكجرية.
 
سادساً : أن يجبر اليكجرية على إجراء التمرينات التي سنها السلطان سليمان وأن يكونوا خاضعين لنظام دقيق.
 
سابعاً : أن يؤمر في الحال باستعمال الأسلحة الجديدة والتعبية التي يستعملها الأوروباويون بين جميع الجنود العثمانية وهي أعمال إباحتها فتاوى المفتين.
 
ومع ذلك فإنه خوفاً من أن إلغاء هذه القبائح والاختلالات وإعادة النظام القديم مرة واحدة ربما أحدث عوائق مهمة أقر مولانا السلطان على أن ينتخب من بين اليكجرية الأقوياء ومن غيرهم من شبان المسلمين المقيدين في ديوان الجيش العدد الكافي لتنظيم فرقة لقتال الفرنج ويكون نظامها كنظام اليكجرية السابق ويكون لها في تمريناتها وترتيباتها في القتال وفي وجودها بالثكنات ما للجيوش الأوروباوية من النظام الذي جعله فن الحرب الحديث من الضروريات.
 
فأقر المجلس باتحاد الآراء على هذه الأفكار وصدّق عليها كتابة وأقرها شيخ الإسلام بلا صعوبة وخرجت بها الفتوى.
 
والحاصل أن الأحوال تمشت كما يحب البيرقدار ويشتهى.
 
 
استئناف الحرب بين الدولة والروسية:
 
وفي سنة 1225هـ-1810م خرجت الدوننما العثمانية إلى البحر الأسود وقبضت على سفينة روسية ولما وصلت إلى وارنة اضطر الجيش الروسي الذي كان يريد حصارها أن ينصرف عنها وبسبب ما كانت عليه أساطيل العثمانيين في ذلك الوقت من الاختلال والضعف كانت قرصان الروسية تتعرض لها في الطريق وتحاربها ثم عادت في فصل الخريف ولم تجر عملاً ما وفي سنة 1226هـ تعين قر محمد باشا قبودانا للدوننما وبموته تعين حسر ومحمد باشا وهو كرجي الأصل وخرج بالدوننما سنة 1227هـ إلى البحر الأسود وكانت العمارة الروسية تطوف حول شواطىء بلاد الكرج فبقيت الدوننما العثمانية تتردّد بين سواحل سينوب ومضيق البوسفور ولم تتعرض إحدى العمارتين للأخرى.
 
 
أعمال الجيش العثماني ومعاهدة بكرش 1227هـ: 
 
كان القائد للجيوش العثمانية في هذا الحرب هو الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا تعين بعد وفاة البيرقدار مصطفى باشا فلم يمكنه منع العساكر الروسية من التقدّم فاستولوا على مدن إسماعيل وسلسترة وروسجق وجهات نيكوبولي وبزارجق وهزارغراد في سنتي 1225-1226هـ ولذلك اتهموا ضيا باشا بالتهاون فعزل وصودر ونفى إلى ديمتوقه ووجهت الصدارة إلى لاز أحمد باشا ولما قاد الجيوش الرومللي وكانت 65000 ألف مقاتل هاجم الروس 1227هـ وألزمهم القهقري وإخلاء روسجق بعد أن خربوها وأحرقوها وفي خلالها أرادت فرانسا التوسط في الصلح فرفض السلطان محمود مداخلتها لأنه غضب جداً من المعاهدة التي عقدها نابليون مع قيصر الروس إسكندر الأول في تلسيت.
 
وكان من بنودها المشاركة في تجزئة البلاد العثمانية كما تقدم واستمرت الدولة تحارب الروسيا على غير فائدة لهزيمة جيوشها وبينما كانت الحالة وخيمة العاقبة على الدولة من كل صوب إذ أتاها الله بالفرج فتعكر كأس السياسة بين نابليون الأول وبين دولة الروسيا لعدم قيامها بتنفيذ بعض شروط معاهدة تلسيت التي كان من مقتضاها أن الروسيا تعاكس وتمانع تجارة الإنجليز بغلق أبواب ثغورها عليها وإشهار عليها الحرب 1227هـ-1812م .
 
وسار بجيوش جرارة وقوة هائلة إلى بلاد الروسيا فالتزمت الروسيا عند ذلك أن تسحب أكثر جيوشها من الحدود العثمانية وسعت في مصالحة الدولة وعينت الدولة غالب أفندي كتخد الصدر الأعظم وغيره مندوبين عنها بعثتهم إلى مدينة بكرش أي بخارست وهناك عقدت المعاهدة المسماة بمعاهدة بكرش في 17 جمادى الثانية 1227هـ-1812م .
 
كانت موافقة جداً للدولة العثمانية بمقتضاها بقيت الإفلاق والبغدان تابعتين لها كما كانتا وكذا بلاد الصرب مع بعض امتيازات ولم تم الصلح وعادت الجيوش عادت العمارة العثمانية أيضاً إلى استانبول وقد اغتنم السلطان محمود الثاني فرصة الصلح وأخذ يهتم في تسكين الثورات القائمة بولايتي بغداد وأيدين وغيرهما وإتمام المشروعات الحسنة والتعليمات الجديدة التي كانت بدأ فيها السلطان سليم خان الثالث وأوقفه عن إتمامها ثورة اليكجرية وحرب روسيا.
 
 
حادثة ساقز: 
 
إنه في يوم الثلاثاء 28 رمضان من سنة 1237هـ-1822م بينما كانت الدوننما العثمانية التي تحت قيادة نصوح زاده علي باشا راسية أمام جزيرة ساقز حضرت سفينة حربية رافعة راية نمساوية ورست بعيداً عن الدوننما ونزل قبودانها لزيارة القبودان باشا كالأصول البحرية فقابله في سفينته وفي أثناء محادثتهما معاً أخبر قبودان السفينة النمساوية القبودان باشا بعزمه على القيام غداً وبعد خروجه حضر بين يدي القبودان باشا التلامذة المهندسون الذين بسفينته وقالوا له أنهم مشتبهون في شكل وهيئة هذه السفينة النمساوية ويلتمسون أنه يأمر بكشف حقيقتها حسب أصول البحر وقواعده خصوصاً في أزمنة الحروب هذه فلم يلتفت لقولهم ولم يهتم به أصلاً.
 
وعند غروب ذلك اليوم أقلعت السفينة المذكورة بسرعة فوقع الشك عند جميع ضباط العمارة العثمانية لأن ربانها خالف بذلك ما قاله للقبودان باشا من قيامه في صباح اليوم التالي ولذلك قابلوا القبودان باشا وطلبوا منه الأمر باستعداد العمارة للمدافعة ليكونوا في أمن مما عساه أن يحدث من مكايد الأشقياء فقال لهم أنكم رجال خوافون لأن العدوّ إذا كان ناراً فلا يحرق إلا على قدره فسكتوا عند ذلك وتحققوا أن تلك السفينة لم تكن إلا يونانية محضة أتت لاختبار حالة العثمانيين ومعرفة موقع سفينة القبودان باشا وموقع بقية سفن الدوننما أثناء وقوفها ولما تم لها ذلك أقلعت كما تقدم ولقد تأثر قبودانات الدوننما العثمانية من غفلة القبودان باشا وعدم تبصره في العواقب وسرت هذه الغفلة إليهم هم أيضاً فلم يهتموا حسب الواجب عليهم في التيقظ والانتباه لما عساه يحدث من المكايد بل ألقوا أجسادهم على مهاد الدعة والسكون.
 
ولما كانت الساعة السادسة ليلاً لم يشعروا إلا وحراقات اليونان التصقت بالدوننما العثمانية وألقت النار بغليون القبودان باشا وحل الخوف والذهول بباقي قبودانات السفن حتى إنها لم تبد أقل حركة لإنقاذ سفينة القبودان من الهلاك ثم سرت النار منها إلى سفينة أخرى كانت تحت ريح الأولى وعند ذلك نشرت بقية السفائن أشرعتها وابتعدت عن السفينتين الملتهبتين.
 
ولما يئس القبودان باشا مع ما بذله من المجهود نزل في زورق يريد النجاة إلا أن النيران كانت وصلت إلى مخزن بارود السفينة فتفرقعت وطارت في الهواء قطعاً ووقعت قطعة ملتهبة منها على زورق القبودان فأغرقته بمن فيه وهكذا ذهب القبودان فريسة جهله وعناده وقد وجدت جثته طافية على الماء فاستخرجت ودفنت بجزيرة ساقز.
 
وكان هذا نهاية هذه الحادثة الني نتجت من عدم التبصر والتدبر في الأمور وخسرت الدوننما غليوناً من الغلايين المهمة وبعد موت القبودان باشا خلفه في مسند القبودانية العامة مختار بك بأمر من وحيد باشا لحين صدور أمر من الدولة ثم تعين قره محمد باشا وكان سر عسكراً على الجيش الموجود بالسفن المتجولة بجهات بالوباردة وتعيين مختار بك قبوداناً للسفن المصرية وسفن وجاقات الغرب وأمر بالذهاب إلى جزيرة كريد بعد أن يرافق العمارة العثمانية إلى مياه بالو باردة ويسلمها إلى القبودان باشا ليضمها إلى السفن الموجودة تحت إدارته ولما تعين قره محمد باشا لمسند القبودانية العامة لم يلتفت إلى الجهات الواقع فيها العصيان ولم يهتم بأحوالها ولم يمد أيضاً قلعة أنابولي بالمدد الذي يحفظها بل تركها هي والسواحل في أشد الحصار ورجع بالدوننما إلى بوغاز الدردنيل فعزل لنذالته وعدم كفاءته 1238هـ وتعين مكانه محمد خسرو بابا والي طرابزون.
 
 
مشارطة أفكرمان ربيع الأوّل 1242هـ: 
 
لما عقدت الروسيا مع الدولة معاهدة بكرش السابقة كانت الظروف اضطرت الروسيا إلى سرعة الاقرار عليها النقل جيوشها من حدود الدولة إلى حدودها الغربية ولذا كانت بعض أحكام المعاهدة المذكورة تحتاج إلى التفسير والإيضاح ولما مات اسكندر قيصر الروس وصعد مكانه نيقولا الأوّل ورأى أن الدولة مشتغلة بمسائل اليونان وغيرها انتهز فرصة ذلك لنوال مرغوبه سافر من الآستانة.
 
ولما كانت الدولة وقتئذ مشتغلة بثورة اليونان من جهة وبمحو أوجاق اليكجرية من الأخرى خشيت حدوث ارتباكات مع الروسيا فقبلت المخابرة معها التفسير ما انبهم معناه من بنود المعاهدة المذكورة وعينت من قبلها مرخصين وهما هادي أفندي محاسبجي الأناضول وإبراهيم عفت أفندي من الموالي وأرسلتهما إلى آفكرمان وهناك تقابلا مع مندوبي الروسيا وبعد مذاكرات طويلة أقروا على توسيع بنود المعاهدة المختصة بحدود الأناضول وبامتيازات المملكتين والصرب على أن يجوز تنصيب أميريهما من أعاظم أهاليهما لمدة سبع سنوات ومتى عزلا أو نصبا كان للروسيا حق المشاركة في الرأي وعليهما دفع الخراج المضروب للدولة وأنه ليس للروسيا حق المداخلة في أمر سكنى الأهالي الإسلامية في القلاع ولا في إدارة داخلية الايالات المذكورة وأن يكون لروسيا حرية الملاحة في البحر الأسود.
 
 
إبادة أوجاق اليكجرية وتنظيم العسكرية:
 
لما تيقن السلطان أن السبب الوحيد في انحطاط الدولة هو أجوقات اليكجرية لتمردهم وطغيانهم وعتوهم وتجبرهم وممانعتهم لكل أمر جديد يعود على الدولة بالاصلاح والتحسين كما مر بك بعضه شرع في سنة 1241هـ في تعليم عساكر جديدة على القاعدة الحديثة الأوروباوية وأخذ من ذلك اليوم يفكر في تدمير اليكجرية وإبادة أوجاقهم ولذلك أصدر منشوراً سلطانياً يتضمن القدح في أعمالهم عدّد فيه ما ارتكبوه من الفظائع وقتلهم لبعض السلاطين ظلماً وطغياناً فلما بلغ اليكجرية ذلك هاجوا وماجوا وتمردوا وهجموا على بيت الصدر سليم باشا وبعض الوزراء وأخذوا ينادون في الشوارع بجواز قتل العلماء ورجال الدولة وكل من له يد في وضع النظام الجديد وأخذوا يقتلون كل من صادفوه وينهبون ويحرقون.
 
وقد تمكن الصدر من الفرار والتجأ إلى السلطان وعرض عليه الكيفية فأمر بجمع طوبجية العسكر الجديد وإرسالهم على اليكجرية وأن يدعو الناس للاجتماع أمام السراي فاجتمع خلق كثير من علماء وقواد وضباط وأعيان وغيرهم وخرج السلطان إليهم وأخذ يخطب فيهم محرضاً مثيراً نخوتهم فأقسم الجميع على القيام بتنفيذ أوامره ثم أخرج البيرق الشريف فاجتمع حوله خلق لا يحصون عدداً ووزع عليهم الأسلحة وسلم البيرق لشيخ الإسلام قاضي زاده طاهر أفندي وكان السلطان همّ بالمسير بنفسه لولا ممانعة الوزراء له في ذلك وكانت اليكجرية تجمعت للمقاومة ثم سار الصدر الأعظم سليم باشا أمام تلك الجموع التي كانت تزيد عن 60000 نفس وهاجموا اليكجرية مكبرين وأطلقوا عليهم البنادق والمدافع فقتلوا منهم عدداً كثيراً وهرب الباقي وتحصنوا في ثكناتهم فحاصرهم الصدر وأشعل النار فيها فاحترق منهم أيضاً خلق كثير وتشتت الباقي في كل صوب وأصدر السلطان الأوامر إلى جميع الجهات بقتل كل من وجد منهم فقتلوا منهم عدداً كثيراً أيضاً وارتاحت الدولة من شرورهم.
 
ولما كانت طائفة البكتاشية تتحزب إلى أولئك الجنود وكان غالبهم من أتباع هذه الطائفة أصدر السلطان أمره بهدم تكاياهم التي كانت منابع لأشنع المحرّمات والقبائح وأخذ الموكلون بذلك يطاردونهم حتى أبادوهم تقريباً قتلاً وتشريداً فتفرقوا في الجهات الأخرى وهدموا لهم أشهر تكاياهم ولما كان السلطان محمود يرغب رغبة شديدة في إدخال ما يوافق من النظامات الأوروباوية غير ملبوسه وتزيا بزي العسكر الجديد وأبدل العمامة بالطربوش فكان أول من فعل ذلك من سلاطين آل عثمان.
 
 
محاربة روسيا ومعاهدة ادرنة 1245هـ: 
 
لما كانت المناسبات السياسية بين الدولة والروسيا تزداد تعقيداً من يوم إلى يوم خصوصاً من بعد واقعة ناوارين لتعصبها لليونان تعصباً شديداً ارتبكت الأحوال بينهما ارتباكاً شديداً بحيث لم يمض يوم 11شوّال سنة 1243هـ-1828م حتى أعلنت الروسيا الحرب على العثمانيين انتصار لأهالي موره وسيرت جيوشها إلى شواطىء نهر الطونة وبلاد الأناضول فاضطّرت الدولة العثمانية مع ما هي عليه أن تسوق جنودها أيضاً لمصادمة عدوّتها تحت قيادة سليم باشا الصدر الأعظم ثم حصل بين الجيشين حروب شديدا استظهرت فيها جيوش الروسيا حتى التزمت الجيوش العثمانية أن ترجع القهقرى.
 
واستولى الروس على وارنة بخيانة قائد الجنود بها وهو يوسف باشا ومع ذلك فقد تمكن القبودان باشا الذي كان راسياً بمينا تلك المدينة من استرداد قلعتها بعد خروج العسكر منها ولم يكن معه إلا ثلاثمائة من الشجعان فقط ولما علم القيصر بهذه الشجاعة الغريبة منح الفاتحين حرية الذهاب وفي أثناء خروجهم أدّت إليهم العساكر الروسية التعظيمات الواجبة تلقاء ما أظهروه من الشجاعة أما يوسف باشا فقد حكم عليه الباب العالي بالإعدام جزاء خيانته.
 
ومع ذلك فإن هذا النذل ذهب إلى بلاد الروسيا وتمتع بالأموال التي نالها من الروس واتهم الباب العالي الصدر الأعظم بالإهمال وعدم الاهتمام قصداً فلذلك عزله السلطان محمود وأمر بنفيه ووجهت مسند الصدارة إلى عزت محمد باشا وساقت الدولة جنوداً أخرى إلى جبال البلقان فتحوّل الروس عن محاصرة شوملة قهراً عنهم وكانوا قد استولوا على سليسترة هذا بالرومللي أما بالأناضول فكان الروس يتقدمون بلا مقاومة تذكروا واستولوا على قلاع قارص وبايزيد وطبراق قلعة وارضروم وأسروا القائد صالح باشا وتقدم جيش روسي في الروم ايلي يبلغ عدده ألف مقاتل وحاصر قلعة ادرنة ثم استولى عليها وكان بها من الحامية نحو عشرة آلاف وكان القيصر هو القائد العام للجيوش الروسية وقد جعل مقامه بمدينة بازارجق.
 
ولما رأت دولة النمسا أن انتصار الروس مضر بسياستها عرضت على فرانسا وانكلترة المداخلة لحسم الحرب فقبلت انكلترة ذلك أما شارل العاشر ملك فرانسا فإنه عارض معارضة شديدة في المداخلة بين المتحاربين وذلك لأن عائلة البوربون كانت تريدأن تخرج الانكليز من البحر الأبيض المتوسط وتستولي على جميع الساحل الأيسر من نهر الرين ولكي تصل إلى مرغوبها هذا أظهرت الميل والمساعدة للروسيا ولم تمانعها في حرية سيرها نحو الآستانة.
 
وفي أثناء هذه الوقائع البرية والهزيمات التي لحقت بالعساكر العثمانية لم يحصل من العمارة التي بقيت للعثمانيين أقل حركة حربية للنقص الذي حصل بها من واقعة ناوارين السابق ذكرها ولهذا خلا الجوّ للعمارة الروسية التي كانت تتركب من 16 غليوناً وكثير من الفراقيط وأخذت تتجوّل في البحر الأسود بلا رقيب ولا معارض حتى حاصرت وارنة بحراً وساعدت جيوش دولتها على الأعمال الحربية ثم شرعت في نقل الذخائر والمعدّات إلى الجيش الروسي الذي تجاوز جبال البلقان والتحقت به بمينا بورغاز الواقعة بين وارنة وبوغاز البوسفور على سواحل الروم إيلي وكانت هذه المساعدات التي حصلت من الدوننما الروسية لجيوشها في تلك الوقائع سبباً لكبير السرعة وحركات جيش الروسيا وتقدمها نحو دار الخلافة العثمانية.
 
ثم لما تحقق السلطان عدم اقتدار الصدر الأعظم عزت محمد باشا عزله في رجب سنة 1244هـ ووجه مسند الصدارة إلى رشيد محمد باشا الذي اشتهر في محاربات موره وفي خلال ذلك كان الجنرال باسكيه ويج (PASKIEVITCH) قومندان جيش القوقاز يتقدّم على أرضروم ولما تحققت الدولة أن غالب باشا والي أرضروم وسر عسكر الشرق لا يمكنه المدافعة ولا صد الروس لضعف قوّته مالت لعقد الصلح وعزلت باشا المذكور وولت مكانه كيتلى صالح باشا.
 
ولما كانت الدولة لا تتمكن وهي في هذه الحالة من إمداد جنودها الذين ببلاد اليونان تغلب الثوار عليهم بما وصل إليهم من الامدادات الأوروباوية بين رجال وأموال وذخائر فاستردّوا جميع المدن التي احتلتها الجنود العثمانية.
 
والحاصل أنه لما اشتد الأمر على رجال الدولة والسلطان محمود اضطربت الأحوال اضطراباً كثيراً واختلت أمور الدولة جدّاً وساد الضعف والفساد وخيف على دار الخلافة من الروس إلا أن السلطان محمود أظهر الثبات وقوّة الجنان في وسط تلك الأخطار المحدقة به وبدولته ثم تداخلت بعد ذلك دول أوروبا في الصلح فقبله الطرفان وعقدت بينهما معاهدة أدرنة في 25 ربيع الثاني سنة 1245هـ-1829م وكانت شروط المعاهدة تشتمل على ما يأتي وهي :
 
أن يبقى نهر بروت حداً فاصلاً للدولتين بأوروبا.
 
وأن تستولي الروسيا على مصبات الطونة.
 
وأن يكون لها حرية الملاحة في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط وتستولي على بوتي وعلى الجزء الأعلى من مصب نهر خور بآسيا وكان هذا الشرط الأخير يفصل الدولة العثمانية عن الأمم الحربية الساكنة ببلاد القوقاز ويسبب خضوعهم إلى الروسيا.
 
وأن تبقى امتيازات المملكتين وتتأكد وينتخب حكامها مدة حياتهم ولا يمكن عزلهم إلا في أحوال مخصوصة وبمرضاة الروسيا.
 
وأن يمنع جميع المسلمين من سكنى المملكتين وقد أعطيت لهم مهلة قدرها ثمانية عشر شهراً ليتمكنوا من بيع أملاكهم أما بلاد الصرب فإنها تبقى على ما عينته معاهدة قرمان.
 
وأن يدفع الباب العالي تعويضاً حربياً قدره 125,000,000من الفرنكات في مدة عشر سنوات ويدفع أيضا 16,000,000ً لتجار الروس على ما أصابهم من الخسائر مدة الحرب.
 
وأن تخرج الجنود الروسية من أدرنة بعد أن تدفع الدولة القسط الأوّل.
 
وأن تذهب خلف جبال البلقان بعد دفع القسط الثاني وتعبر نهر الطونة بعد دفع القسط الثالث.
 
وأن تحتل الروسيا بلاد المملكتين احتلالاً عسكرياً حتى تدفع الدولة جميع ما بقي من الأقساط السنوية.
 
وأن يصدّق السلطان على معاهدة لوندرة وعلى البروتوكول الذي حرّره الدول الثلاثة أعني انكلترة والروسيا وفرانسا وبعد ذلك بعدّة شهور أي في سنة 1830م اعترف الباب العالي باستقلال اليونان استقلالاً تاماً وأقرّ على الحدود التي عينتها الدول وكانت هذه المملكة الحديثة تشتمل في أوّل تشكيلها على جزائر سيكلادة ونغربونت وموره وفي القارة كانت تحدّ بخط وهمي يمتد من خليج أرطة إلى خليج فولو وهو الفاصل لها في أراضي الدولة وهذا الحد الغير المعقول الذي سبب فيما بعد عدة منازعات ومخاصمات قوية كان السبب في تحديده بهذه الصفة انكلترة والنمسا قصدا لايجاد النفور المستمر بين الدولة والروسيا.
 
 
أوجاقات الغرب واستيلاء الفرنسيس على الجزائر:
 
قد سبق ذكر الحالة التي كانت عليها أوجاقات الغرب مفصلاً في أخبار الجزائر وتونس وطرابلس وما كانت تفعله سفنهم من أعمال التلصص في البحر المتوسط الأبيض وغزوها لسفن تجاردول أوروبا وسطواتها المتكررة على سواحل ايطاليا واسبانيا وجزائر صقلية وسردينيا والحروب التي وقعت بينها وبين كثير من أساطيل الدول الأجنبية إلى أن آل الأمر لاستيلاء فرانسا على جزائر الغرب 1247هـ-1830م مدّة ولاية الداي حسين باشا لجهله وظلمه وعتوّه.
 
وكانت أوروبا تقدمت في ذلك الزمن باختراعاتها الحربية والصناعية أما الأحوال الحربية والبحرية في الأوجاقات المذكورة فكانت لا تزال على حالتها القديمة متأخرة ارتكاناً على شجاعة ومهارة رجالها ولهذا التزمت الدولة أن تتبع وقتئذ طريق المسالمة عند مهاجمة الفرانساويين لبلاد الجزائر إحدى ممالكها المكوّنة لدولتها ولخروجها من غوائل حروب موره والروسيا ومسألة اليكجرية مكسورة الجناحين واكتفت بإرسال القبودان جنكل أوغلى طاهر باشا بأسطول إلى تونس للتوسط بين والي الجزائر المذكور وبين الفرنسيس ولكن صادفته جملة عراقيل في مأموريته منعته من حل المسألة فعاد خائباً كما تقدّم ذكر ذلك.
 
 
أحوال بلاد العراق وأوجاق الكولمن:
 
اعلم أنه في مدة صدارة النوشهري إبراهيم باشا الداماد كان حدث حرب بين الدولة والعجم اشتهر فيه والي بغداد وسر عسكر الشرق حسين باشا بما أظهره من البسالة وما حازه من النصر ولهذا أبقته الدولة والياً ببغداد مدة حياته وتولاها من بعده ولده أحمد باشا مدة عشرين سنة وفي زمن ولايتهما أسسوا بها وجاق الكولمن وأصلهم جنود محكمون عند الواليين المذكورين واستمر هذا الأوجاق في العراق مدة مائة سنة تقريباً وكان رجاله يقاومون كل وال يظهر الطاعة للدولة حتى انحصرت أمورايالة بغداد في أعقاب أحمد باشا المذكور إلى سنة 1226هـ .
 
ولما كان أحدهم المدعو سليمان باشا والياً أرسلت الدولة حالت أفندي المشهور بالنشانجي لاستلام باقي ويتركوا الولاية المذكورة فتوقف الوالي والتزم حالت أفندي أن يعود إلى الموصل ثم استصحب معه والي الموصل وجيشه وعاد لمحاربة سليمان باشا وما زال ينازله حتى قتله وعيّن على بغداد أحد مماليك الوالي المذمور ويدعى داود أفندي بعد أن تعهد بالطاعة وتسديد الأموال في أوقاتها وأنعم السلطان عليه بالوزارة وكان داود باشا هذا فاضلاً من أصحاب اللياقة والاقتدار حتى أنه لما قامت الحروب بين الدولة وإيران سنة 1239هـ .
 
واستظهرت جيوش ايران على جنود الدولة التي كانت تحت قيادة سر عسكر الشرق جبار زادة جلال الدين باشا وانهزم معه داود باشا المذكور بذل المساعي حتى عادت العلاقات بين الدولة وإيران إلى ما كانت عليه من الصفاء وفي أثناء اشتغال الدولة بحروب اليونان والروسيا عينت أحد رجالها المدعو صادق أفندي بمأمورية إلى بغداد لإبلاغ مخصصاتها إلى 12000 كيس لاحتياج الدولة إلى النقود إذ ذاك إلا أن هذا المأمور لم يحسن القول والفعل فإنه قبل أن يقف على أحوال تلك البلاد طلب عزل داود باشا ولما علم الوالي بذلك غضب وأهان المأمور المذكور ثم قتله فالتزمت الدولة أن تجرّد عليه وعينت لاز على باشا والي حلب بجيش للقبض على داود باشا فقام هذا الوالي بما عهد إليه وحاصر بغداد تسعين يوماً إلى أن فتحها وقبض على داود باشا المذكور وأرسله مكبلاً إلى الآستانة ومحا أوجاق الكولمن بالكلية ثم أن السلطان عفا عن داود باشا لما له من الأعمال المشكورة سابقاً وتولى بعد ذلك بعض المناصب وتوفي وهو بوظيفة شيخ للحرم النبوي الشريف.
 
 
الحوادث المصرية:
 
سبق لك ذكر الأحوال التي ساعدت المرحوم محمد علي باشا على نوال ولاية مصر ونقول الآن أن هذا الشهم النابغة بمجرد قبضه على زمام الحكومة واستتباب الأمر إليه أخذ في تنظيم الأحوال وإزالة نفوذ الكولمن إلى أن أبادهم تماماً سنة 1226هـ وقد ساعد الدولة مساعدة تذكر فتشكر في حرب اليونان وبذل المجهود في اتقان الزراعة والري بما فتحه من الجداول والترع خصوصاً ترعة المحمودية التي أوصلها الثغر الاسكندرية وشيد المباني والمعامل وفتح كثيراً من المدارس المختلفة لتعليم شبان القطر المصري العلوم والصنائع ووسع نطاق التجارة فنمت الإيرادات التي كانت لا تتجاوز كيس 2000 في مبدأ حكمه حتى بلغت في أواخر مدته 400,000 كيس وزاد الويركو الذي يدفع للدولة وأبلغه 12000 كيس وتمكن بزيادة الإيرادات من تنظيم قوّة عسكرية جسيمة على النسق الأوروبي بلغت المائة ألف وأنشأ عمارة بحرية قوية .
 
ولما رأى المرحوم محمد علي باشا في نفسه قوّة واقتداراً وعلم ضعف الدولة وارتباك حالتها عقب حرب الروسيا واليونان ومقاومة حزب عظيم من الأهالي للسلطان فيما يدخله من الاصلاحات زين له أهل الفساد الذين لا تروج بضاعتهم إلا زمن المفاسد والاضطرابات أن يطمح بأنظاره إلى الاستيلاء على ولايات الشام وحلب من يد دولة طالما هم بمساعدتها وناضل عن تاجها وسلطانها والسبب الذي استحل به محمد علي باشا سوق جيوشه على الشام فرار أحد مماليكه وبعض أهالي مصر والتجائهم إلى والي عكا عبد الله باشا وامتناع هذا من تسليمه إليه وكان هذا الوالي أظهر قبل ذلك العصيان على الدولة ولما أرادت الدولة تأديبه توسط محمد علي باشا له فعفا السلطان عنه.
 
في سنة 1247هـ-1831م سارت جيوش محمد علي باشا والبحرية تحت قيادة ولده الأكبر إبراهيم باشا ففتح في طريقه غزة ويافا وحيفا ثم حاصر عكا وافتتحها لينتقم من عبد الله باشا على ما فعل معه ولما علمت الدولة بتقدّم جيوش مصر أرسلت إلى محمد علي باشا تأمره بالكف عن أفعاله وإخراج عساكره من القطر الشامي وله بعد ذلك أن يرفع شكواه إلى الباب العالي ليحكم بينه وبين خصمه وأمر السلطان بأن ينصحوه ليطيع الأمر ولما لم يقبل ذلك جمع السلطان مجلساً مؤلفاً من مشاهير العلماء والمدرسين وعرض عليهم ما حصل من محمد علي باشا فأفتوه جميعاً والفتوى على قدر السؤال بخروج محمد علي باشا عن طاعة السلطان فأرسلت الدولة عليه والى أدرنة حسين باشا ومعه ثلاثون ألف عسكري ولما وصل إلى الشام وتلاقى مع الجنود المصرية بين حلب وحمص انهزم بعد أن قتل من جيشه قدر عظيم محرم 1248هـ .
 
ثم دعت الدولة الصدر الأعظم رشيد محمد باشا وهو من أعظم القواد وأمهرهم وكان ببلاد الأرنؤد ينظم أحوالها عقب انفصال اليونان عن الدولة وأرسلته بجيش لصد إبراهيم باشا الذي كان عبر جبال ايج ايل ونزل بصحراء قونية وبعد حروب طويلة استظهر فيها الصدر على عساكر مصر أسر وهزم وجيشه في يوم ماطر كثير السحاب والضباب لأنه بينما كان يعبي جيشه للقتال دخل بين صفوف الخيالة المصرية ظناً منه بأنهم عساكره فأسروه وبانتشار خبر ذلك بين الجيش السلطاني اختل نظامه وهجمت عليه عساكر مصر فهزمته 28 رجب 1248هـ .
 
وبعد واقعة قونية هذه تقدم إبراهيم باشا إلى كوتاهية حيث لا قوة تعارضه وعند ذلك اكتسبت المسألة أهمية عظيمة ولما انتصر إبراهيم باشا في واقعة قونية المذكورة وهم بتوجيه عنان عزيمته نحو مدينة بروسة خابر السلطان محمود قيصر الروسيا نيقولا الأول الذي كان يسعى من زمن طويل بواسطة سفيره في الآستانة في التوسط بين المتحاربين وطلب منه المساعدة فأرسل أسطولاً وجيشاً يبلغ عدده 15000 مقاتل معاونة للدولة ونزلت هذه القوة بالمكان المدعو هنكارا سكله سي داخل البوغاز وعقدت هناك بين الطرفين معاهدة دفاعية وهجومية لمدة ثمان سنوات 1249هـ-1833م .
 
ومن مقتضاها أن امبراطور الروسيا تعهد بمساعدة الدولة في كل الأحوال والأعمال وأن يتعهد السلطان محمود في مقابلة ذلك بأن يصرح عند الاقتضاء للدوننما الروسيا أن تمر من البحر الأسود إلى البحر الأبيض وبسد بوغاز البحر الأبيض المتوسط أمام جميع سفن الدول الأخرى الحربية وبهذه المعاهدة أخذت المسألة شكلاً سياسياً آخر في عواصم أوروبا كانت سبباً لاهتمام اللورد بالمرستون رئيس وزراء انكلترة والبرنس مترنيخ رئيس وزراء النمسا وأخذا يتخابران مع فرانسا وبروسيا وبتداخلهما أوقفوا إبراهيم باشا عن التقدم واضطر والمرحوم محمد علي باشاعلى عقد الصلح والانصياع لأمر الدولة كل ذلك ليس حباً في الدولة ولا في مصر بل لأطماعهم السياسية ومقاصدهم الخصوصية ولكن مع عقد الصلح في الظاهر لا زال الطرفان يستعدان ويتربصان لبعضهما فكان محمد علي باشا يرى أن لا حق لدول أوروبا في هذا التطفل الذي سيرده عن غنيمته مع ما ناله من الاستظهار وكانت الدولة ترى في انتصار أحد ولاتها عليها إهانة ماسة جداً بكرامتها ومجدها وربما كان سبباً في أن يجترىء عليها غيره من الولاة ويشق عصا طاعتها مع ما يكون لدول أوروبا عليها بعد ذلك من الأيادي إذ كانت سبب نجاتها خصوصاً دولة الروسيا عدوّتها القديمة ولذلك أخذ إبراهيم باشا يحصن مضيق كولك الواقع بين قونية واطنة اذنة ووالده في مصر يهتم في إنشاء السفن لزيادة قوته البحرية والإكثار من العساكر النظامية لتقوية جيوشه البرية واهتمت الدولة بالمسألة أكثر من ذي قبل فأعادت رؤف باشا لمسند الصدارة بعد وقوع رشيد محمد باشا أسيراً.
 
ولما عاد رشيد باشا المذكور إلى الآستانة 1250هـ عينته والياً لسيواس وفوضت له إدارة ديار بكر وخربوط ورتبت له جيشاً ادعت أنها تقصد بواسطته إصلاح أحوال بلاد كردستان وغير ذلك من الأعمال 1252هـ ولما مات رشيد باشا قبل أن يأتي بهذا الجيش عملاً عينت الدولة مكانه فريق كوتاهيه جركس حافظ محمد باشا ثم اهتمت مع ما هي فيه من الضعف ذلك الوقت بإكمال الأوردي الهمايوني وكان في جيش حافظ باشا وقتئذ الضابط البروسياني مولتك الشهير وكان أشار على حافظ باشا برأي في القتال إلا أن حافظ باشا لم يحفل به لغروره بنفسه ثم تقدّم بالجيش السلطاني لصد إبراهيم باشا وعبر نهر الفرات حتى قابله بجوار حلب في نزيب نصيبين ولسوء تدبيره وقلة خبرته انهزم هو أيضا 1255 .
 
فكان ذلك سبباً لأن يحتل إبراهيم باشا جملة بلاد أخرى قبل أن تصل أخبار هذه الهزيمة إلى استانبول.
 
 
وفاته:
 
اتفق موت السلطان محمود وكان اعتراه قبل ذلك بخمسة شهور انحراف في صحته وأشار عليه الأطباء بتبديل الهواء فنقل إلى مصيف شقيقة أسما سلطان الواقع في جامليجة من ضواحي استانبول وكانت وفاته19 في 1255هـ ربيع الآخر سنة وعمره لا يتجاوز السادسة والخمسين.
 
وكان السلطان محمود رحمه الله من أعقل سلاطين آل عثمان كثير الاهتمام جداً بما يعود على الدولة بالمنافع والقوة عارفاً بالأمور جسوراً فعالاً لا يرجع عن نواياه إلا إذا أخرجها من القوة إلى الفعل تمكن من إخماد فتنة البانيا التي أشعل نارها تبه دلنلي علي باشا وفتنة عائلة القره مانلي بطرابلس الغرب وغيرها من الثورات. واهتم بوضع النظام العسكري الجديد.
 
ومن أعظم أعماله إزالة أوجاق اليكجرية الأمر الذي سعى فيه قبله السلطان سليم خان الثالث وغيره وأدخل كثيراً من الإصلاحات في كافة الولايات العثمانية وكان له الوقوف التام على أحوال الدولة وما تحتاجه من الإصلاح ولم تخل سنة من سني حكمه من الاضطرابات والاختلالات ومع ذلك فقد تغلب عليها جميعاً بما أوتيه من علو الإدراك وهو الذي أزال امتياز الأعيان دره بكلر الذين كانوا على نوع من الاستقلال لا يعترفون للدولة بالتابعية إلا ظاهراً هذا إن أرادوا وبذلك جعل البلاد التي كان يحكمها هؤلاء الأعيان مرتبطة ارتباطاً متيناً مع دار السلطنة.